محمد أبو زهرة
1856
زهرة التفاسير
أن يجعله حذار فواته ، ويبادر خفية عجزه ، وليعلم أنه من فرص زمانه ، وغنائم إمكانه » . والأمر الثالث الذي يصح التناجى فيه : أمر الإصلاح بين الناس ، سواء كانوا جماعات وأمما ، أم كانوا آحادا وأفرادا . والإصلاح بين الناس فريضة اجتماعية تجب على أولى العزم من الرجال ، وهي ضريبة ذي الجاه والمنزلة ، فإذا كان بين اثنين خصام وأزاله ، فقد قرب الله بين قلبين ، وإن القضاء والفصل في الخصومات يورث في القلوب إحنا ، بينما الصلح بينهم يبقى المودة . ولقد قال في ذلك الإمام عمر - رضي الله عنه - في كتابه إلى أبى موسى الأشعري « رد الخصوم حتى يصطلحوا ، فإن القضاء يورث بينهم الضغائن » ، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من أصلح بين اثنين أعطاه الله تعالى بكل كلمة عتق رقبة » « 1 » ، وقال عليه الصلاة والسلام لأبى أيوب الأنصاري : « ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله ؟ تصلح بين أناس إذا تفاسدوا ، وتقرب بينهم إذا تباعدوا » « 2 » . والإصلاح بين الجماعات المتناحرة أوفر خيرا من إصلاح الآحاد ، والله تعالى يقول : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 ) [ الحجرات ] . فكرر سبحانه الأمر بالإصلاح قبل القتال وبعده ، وفي أثنائه . وإن الذي أذهب النخوة من المسلمين قتال كبرائهم ، وعدم وجود من يصلح ذات البين بينهم ، حتى ترامى بعضهم في أحضان أعدائه وأعداء الله ، وإثم ذلك على من لم يسع بالصلح ، ورأب الكلم .
--> ( 1 ) ذكره مع ما يليه القرطبي في التفسير ج 5 ، ص 382 . عن أنس بن مالك . وذكر القرطبي أخبارا أخرى ثم قال : ذكر هذه الأخبار أبو مطيع مكحول بن المفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات له ، وجدته بخط المصنف في وريقة ولم ينبه على موضعها رضي الله عنه . ( 2 ) المرجع السابق .